39 عامًا على رحيل طه حسين الذي أبصرْنا بنظَّارته
تــاريـخ النــشر : 2012/10/30 | مصنفة في ثقافة و فن | لا تعليقات

“كثر اللغط حول الكتاب الذي أصدرتُه منذ حينٍ باسم “في الشعر الجاهلي”، وقيل إني تعمّدت فيه إهانة الدين والخروج عليه، وإني أُعلّم الإلحاد في الجامعة، وأنا أؤكد لعزتكم أني لم أرد إهانة الدين ولم أخرج عليه، وما كان لي أن أفعل ذلك، وأنا مسلم أؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر”.

سطور لأديبنا الكبير، طه حسين، المولود في 15 نوفمبر عام 1889 بمحافظة المنيا، أرسلها في خطاب إلى مدير الجامعة في بدايات القرن العشرين ليشرح فيه موقفه من الهجوم عليه بعد كتبه الصادم «في الشعر الجاهلي».

بداية الشغب

كل ما فعله عميد الأدب العربي أنه أصدر كتابه المذكور عام 1926، ليعلن فيه أن «الكثرة المُطلقة مما نسميه أدبًا جاهليًا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين، ولا أكاد أشك في أن ما بقي من الأدب الجاهلي الصحيح قليل جدًا، لا يمثل شيئًا ولا يدل على شيء».

ويطرح لك منهجه في الكتاب، بقوله: «ربما كان من الحق أني أحب أن أفكر، وأحب أن أبحث، وأحب أن أعلن إلى الناس ما أنتهي إليه بعد البحث والتفكير، ولا أكره أن آخذ نصيبي من رضا الناس عني أو سخطهم على حين أعلن إليهم ما يحبون أو يكرهون».

ذنب الرجل إذن أنه أراد أن يتبع منهجًا علميًا في تفكيره، حتى ولو قدم لمن حوله نتائج جديدة، صادمة بالنسبة لهم وتختلف عما ترسخ في عقولهم منذ زمن بعيد، يريد بمنهج «الشك» لدى الفيلسوف «ديكارت» ألا نأخذ القديم على علاته، ويسير إلى طريق يستخدم العقل ويؤمن بعد شك وتفكير واجتهاد يؤدي لاقتناع.

العميد والقرآن

أفكاره المشاغبة فتحت سيلاً من البلاغات ضده تتهمه بأن في كتابه «طعنا صريحا في القرآن العظيم»، و«أتى بما يُخل بالنظم العامة، ويدعو الناس للفوضى»، و«طعن وتعدى على الدين الإسلامي، وهو دين الدولة بعبارات صريحة واردة في كتابه».

كل هذا وطه حسين يناقش قضية أدبية بحتة، لكن أهل السياسة تلقفوا القضية وظهروا على السطح، وبدأ الهجوم على صاحب «الأيام»، في جلسات البرلمان، تنهال الاستجوابات ضده، بل خرج طلبة من الجامع الأزهر بمظاهرة إلى بيت سعد زغلول، لمطالبته كرئيس لحزب الأغلبية، «الوفد»، بأن يتخذ إجراءات رادعة ضد «الأديب المشاغب» كفصله من عمله ومحاكمته ومعاقبته.

يخرج سعد زغلول للحديث إلى المتظاهرين قائلاً: «مسألة كهذه لا يمكن أن تؤثر في هذه الأمة المتمسكة بدينها، هبوا أن رجلاً مجنونًا يهذي في الطريق، فهل يغير العقلاء شيئًا من ذلك؟ إن هذا الدين متين وليس الذي شك فيه زعيمًا ولا إمامًا حتى نخشى من شكه على العامة، فليشك ما شاء، ماذا علينا إذا لم يفهم البقر».

ويكشف طه حسين في كتاب «أفكار ضد الرصاص»، الذي وضع سطوره «عندليب الصحافة المصرية» محمود عوض، عن حديث لزعيم الأمة أبلغه إلى أحمد لطفي السيد، قائلاً: «يعني طه حسين بتاعك ده مش كان لازم يفتكر أن البلد مازال لا يتحمل مثل هذا الكتاب».

وفسر طه حسين التعارض في رأي سعد زغلول، بقوله: «سعد كان سياسيًا أمام الجمهور، وتظاهر بأنه معهم لكي يهدئهم»، وتمر الأزمة العاصفة بحرية الرأي إلى أن تصطدم بقرار صادر من مجلس الوزراء في 20 مارس 1932، يعلن فيه أنه تم «فصل طه حسين أفندي، الموظف بوزارة المعارف العمومية من خدمة الحكومة».

السلطة تتوعد آراء طه حسين «المشاغبة»، التي كانت وراء فصله، ليس بسبب كتاب «في الشعر الجاهلي»، الذي ألغى منه فصلاً مما كتبه، بل غيّر اسمه في طبعة جديدة فجاء تحت عنوان «في الأدب الجاهلي»، لكن الأمر تعلق بوقوفه ضد رغبة السلطة، حيث طلب وزير المعارف منه باعتباره عميدًا لكلية الآداب أن يقدم «اقتراحًا للجامعة بمنح الدكتوراه الفخرية لعدد من كبار الأعيان»، وجاء رده: «يا باشا.. عميد كلية الآداب ليس عمدة، تصدر إليه الأوامر من الوزير، أنا لا أوافق على إعطاء الدكتوراه الفخرية لأحد لمجرد أنه من الأعيان»، ونزلت الكلمات صاعقة على أذن وزير المعارف، الذي رد غاضبًا: «طيب.. إنت لا تسمع الكلام؟ حانشوف مين ينفذ كلامه».

وجانب آخر عوقب به طه حسين، حين زار الملك فؤاد الجامعة، ووقتها لم يصفق له الطلاب بصورة مُرضية، فنطق بغطرسة تقول: «هذا عمل من تدبير الملعون طه حسين»، وهكذا جاءت عقوبة الفصل بعد 6 سنوات من نشر كتابه، «في الشعر الجاهلي».

ربما يكون الفكر الجديد لعميد الأدب عائدًا لتأثره بدراسته في فرنسا، حيث أبصر الحضارة الأوروبية بما تدعمه من حرية تدفع مياه الأفكار الراكدة التي خملت في مجتمعه وأغلقت على نفسها باب الاجتهاد.

ويدرك طه حسين أهمية الشباب ودوره في بناء المجتمع، وينتقد الذين يهمشون الجيل الجديد، بقوله: «كنا على أيامنا نهتم بالاختيار والتوجيه والتصحيح، اختيار المواهب وتوجيه الأجيال الجديدة وتصحيح الأخطاء المتراكمة، الآن لا أرى شيئًا من هذا، أرى إهمالاً فوق إهمال للجيل الجديد في كل شيء».

ويؤكد طه حسين في كتابه «من بعيد» أنه لا خصومة بين العلم والدين، كما يدعي البعض، موضحًا بقوله: «لا نرى الخصومة قوية بين العلم والدين في نفسهما، وإنما نرى أن السياسة تستغلهما لمنفعتها، ولو تركتهما لتصافيا وائتلفا»، ويباغتك في صفحة أخرى ليتحدث عن دستور مصر في عام 1923، حيث يعتبر النص الصريح فيه بأن «الإسلام دين الدولة» هو «مصدر فُرقة بين المسلمين» لأنهم لم «يفهموه على وجهٍ واحد».

ويوضح لك طه حسين فيما كتبه عام 1927، حُجته ومنطقه ورأيه، فيشير إلى أن النص على دين للدولة «يتناقض مع حرية الاعتقاد»، كما ينتقد في الوقت نفسه ما طرحه البعض من عدم إصدار دستور لمصر، حيث يستندون إلى حُجة أن «المسلمين ليسوا في حاجة إلى دستور وضعي، ومعهم كتاب الله وسنته».

التعليم كالماء والهواء

لم يتراجع طه حسين عن أفكاره المشاغبة التي تظهر في أعماله المتنوعة، فكتب «مرآة الإسلام»، و«على هامش السيرة»، و«من بعيد»، و«دعاء الكروان»، و«شجرة البؤس»، و«المعذبون في الأرض»، و«مستقبل الثقافة في مصر»، و«حديث الأربعاء».

ظلت العقبات في طريق طه حسين الذي يسعى عبر أفكاره إلى مجتمع ينعم بالثقافة التي تفكر بعقلها لا بأخذ القديم كما هي، وغلق باب الاجتهاد، حتى أصبح وزيرًا للمعارف في عام 1950، فيُعد فقرة تتحدث عن التعليم في خطاب رئيس الوزراء مصطفى النحاس، الذي يلقي خطاب العرش.

فينطق «النحاس» مؤكدًا أن حكومته ترى أن «خير الوسائل لرفع مستوى الشعب وتمكينه من الحياة الخصبة المنتجة، التي تنفعه وتنفع الناس، وتحفظ على المواطن مكانته بين الأمم المتحضرة الراقية، إنما هو تعليم أبنائه، وتثقيف نفوسهم، وتزكية عقولهم، وتهذيب أخلاقهم، وتزويدهم بكل الوسائل التي تتيح لهم الجهاد المنتج في سبيل الرقي والتقدم، ولذلك فهي لن تبخل بأي جهد لنشر التعليم وتيسيره، والتوسع في مجانية التعليم، حتى تصل به إلى المجانية الشاملة، تحقيقًا لتكافؤ الفرص لجميع المواطنين دون تفريق، وقد قررت فعلاً مجانية التعليم الابتدائي والثانوي والفني منذ اليوم».

يتحقق حلم عميد الأدب العربي في نشر فكرة شعارها «التعليم كالماء والهواء»، ويكسر القواعد التي تعطي العلم لمن يملك المال، بينما الفقير يُحرم منه.

وبعد أيام من اندلاع حرب السادس من أكتوبر عام 1973، وبالتحديد في 28 أكتوبر، رحل عميد الأدب العربي، وشيّعه المشاركون في جنازته من أمام بيته الذي أحبه «جامعة القاهرة».

ويرسم لنا محمد حسن الزيات في كتابه «ما بعد الأيام» مشهد الجنازة، فيكتب: «يتجمع المشيعون في قاعة الاحتفالات الكبرى في جامعة القاهرة، فتمتلئ بجموعهم، فليس فيها كما يُقال موضع لقدم، ويتحرك موكب الجنازة، يتقدمه نائبا رئيس الجمهورية، السيد حسين الشافعي، والدكتور محمود فوزي، ومؤنس طه حسين، الذي عاد من باريس رغم صعوبة المواصلات، وإلى جانبهم ومن خلفهم رجال الدولة، وممثلو الدول الأجنبية وأساتذة الجامعات المصريون وغيرهم، ورجال القلم والإعلام، والطلاب من تلاميذه ومريديه».

مات طه حسين في 28 أكتوبر 1973 بعد مشوار 84 عامًا، فقد بصره لكن بصيرته جعلته يعبر عن رأيه بمنطق الحجة بعيدًا عن أي تخوين أو تسفيه للغير، سائرًا على مبدأ «الحياة عقيدة وجهاد»، وليكون أحد قطبي الثقافة المصرية مع العقاد، ليبصر المصريون والعرب عبر نظارته ثقافة حية تمشي بين كتبه وأفكاره الكبرى.. ويصدق فيه قول نزار قباني في إحدى قصائده:

ارم نظارتيك ما أنت أعمى.. …..بل نحن جوقة العميانِ

“معتز النادي”: المصراوي

اترك تعليقا