إنصاف الأمازيغية .. الوجه الثقافي للعدالة الانتقالية بالمغرب.
تــاريـخ النــشر : 2012/08/03 | مصنفة في تمازيغت | لا تعليقات

إنصاف الأمازيغية .. الوجه الثقافي للعدالة الانتقالية بالمغرب.

لقد شَكّل موقع الأمازيغية في الدولة والمجتمع شُغلا شاغِلا لنُشطاء الحركة الأمازيغية، بل اتخذَتهُ الحركة مقياسا لتدَرُّج الدولة في سُلم الديموقراطية، وهو ما يوحي به الشعار المعروف “لا ديموقراطية بدون أمازيغية”، وأعتقد أن هذا الشعار/المطلب مازال ذا راهِنيّة كبرى، مادام مِن الصعب تصنيف نظام سياسي ما بأنه ديموقراطي ويحترم التزاماته الأممية في مجال حقوق الإنسان وهو يُقصي مكوّنا لغويا وثقافيا من دائرة النجاعة السياسية والثقافية.

إن احترام التعدد اللغوي والتنوع الثقافي واستحضاره في السياسات العمومية في المائة سنة الأخيرة بالمغرب، مرّ في نظرنا من ثلاث محطات أساسية، سنحاول رَصدها من خلال مَسْح بعض النصوص القانونية المُميّزة لكل محطة، باعتبار النصوص القانونية أثَرًا ماديا قابلا للتحليل والدراسة، وباعتبار التشريع كذلك قشدة السياسات العمومية وتمَظهُرها الأساسي.

1  – مرحلة الاستعمار: تميزت أساسا بانطلاق عملية التدوين القانوني La codification وعصْرَنة أجهزة الدولة المخزنية وضبطها بنصوص تنظيمية وقانونية، من خلال قرار الإقامة العامة بإحداث جريدة رسمية بتاريخ 02 شتنبر 1912. وكانت أهم ملامح هذه المرحلة، استحضار التعدد اللغوي والتنوع الثقافي واحترامه، على الأقل في ظاهر النصوص التشريعية. وحَريٌّ بنا أن نقدّم هنا بعض الأمثلة للاستئناس، كالظهير الشريف ” في شأن ما يتعلق بأمور القبائل البربرية بالإيالة الشريفة” في شتنبر 1914، ومراعاةً للتنوع في مجال التشريعات بين مناطق المغرب عملت السلطات الاستعمارية على إصدار “الظهير الشريف الذي يصبح بموجبه قانونيا مطابقا للأصول المرعية سير شؤون العدلية الحالي في القبائل ذات العوائد البربرية التي لا توجد فيها محاكم مكلفة بتطبيق القواعد الشرعية” في ماي 1930، وفي مجال تقريب الخدمات الإدارية للمواطنين ” القرار الوزيري الصادر في ضبط شروط منح جوائز مالية عن اللغة العربية واللهجات البربرية”17 يونيو 1932.

2- مرحلة الاستقلال وبناء الدولة الوطنية: إن بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال بالإضافة لوجهه السياسي والاقتصادي، كان له كذلك وجه قانوني، كان الهدف منه تناغُم الترسانة القانونية للدولة مع أسسها الثقافية والإيديولوجية، التي ترى في أحادية المكون الثقافي واللغوي، وتطابق أبعاد الهوية الوطنية أساسا لبناء الدولة. بسبب ذلك ستعرف حركة التشريع تركيزا على المكون اللغوي والهوياتي العربي، وإقصاءً واضحا لغيره من التعبيرات. وقد لا تعوزُنا أمثلة للتدليل على ذلك. لعل أهمها دستور سنة 1962 الذي جاء في ديباجته “المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، لغتها الرسمية هي اللغة العربية“،وقانون توحيد المحاكم المغربية الصادر في 26 يناير 1956 الذي ينص في مادته الخامسة على أن العربية هي وحدها لغة المداولات والمرافعات والأحكام في المحاكم المغربية”، ظهير 06 أكتوبر 1993 بإنشاء أكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات ولاسيما الفقرة 9 من ديباجته التي تنص على “ورعيا لأن ثقافتنا العربية الإسلامية ترفع من مكانة التطلع العلمي“. ظهير 08 أكتوبر 1977 بشأن إحداث أكاديمية المملكة المغربية ولاسيما الفقرة الثامنة من الفصل الثاني التي تنص على أن إحدى مهام الأكاديمية “…السهر بتعاون مع الهيئات المختصة في الميدان المقصود على حسن استعمال اللغة العربية بالمغرب وعلى إتقان الترجمة من اللغة العربية وإليها”.

لعل منطوق القوانين السالفة الذكر كافٍ لاكتشاف أحادية النظرة التي ميزت المُشرّع في هذه المرحلة، كما سيلاحظ الباحث كذلك أن تعبيرات الانتماء العرقي رائجة بكثرة في الخطاب الصحفي والتربوي وغيره، من قبيل “المغرب العربي”.

3- مرحلة “العهد الجديد”: عرفت مرحلة مابعد 1999 اعترافا رسميا بحصول انتهاكات لحقوق الإنسان في المرحلة التي سبقتها، ورغم أن التركيز كان على الانتهاكات السياسية، إلا أن الساحة الثقافية عرفت كذلك جرائم ثقافية تستدعي الاعتراف بها والعمل على إصلاح آثارها.

فرغم خوض تجربة الإنصاف والمصالحة بالمغرب، ورغم التنصيص الدستوري على تعدد أبعاد ومكونات الهوية المغربية وترسيم اللغة الأمازيغية، فما زال ورش العدالة الانتقالية في وجههِِ الثقافي مفتوحا، ومازالت معركة إنصاف الأمازيغية وتبويئها الموقع اللائق بها متواصلة.

إن تجارب العدالة الانتقالية في كل بلد لها خصوصيتها، والأدبيات الفكرية والحقوقية والسياسية في هذا المجال متنوعة بتنوع مصادرها. إلا أنه من الممكن استخلاص أربعة محاور أساسية لابد أن تتتناولها كل تجربة للعدالة الانتقالية، وهي بالمناسبة نفس المداخل التي نرى أنه من الضروري أن يمر منها إنصاف الأمازيغية:

  • كشف الحقيقة: من خلال الاعتراف الرسمي بالانتهاكات الثقافية واللغوية، وإعادة النظر في كل الحقائق والنظريات التي روّج لها النظام السياسي المغربي، بما يعنيه ذلك من إعادة مناقشة وقراءة الأطروحات الأكاديمية المَبنِية على وقائع تاريخية وعلمية مُزيّفة.
  • المُساءَلة :مُساءَلة كل من ثبتَ تورطُه في الجرائم الثقافية والتمييز العنصري ضد المكونات اللغوية والثقافية الوطنية، وتحديد مسؤوليات الأفراد والمؤسسات في الواقع الحضاري والثقافي واللغوي للأمازيغية.
  • جبر الضرر: بإلغاء كافة أشكال التمييز في القانون والواقع، من خلال تنقيح الترسانة القانونية من كل النصوص التي تكرس الميز والتمييز (قانون الحالة المدنية، قانون الجنسية…إلخ).
  • ترسيخ ضمانات عدم تكرار ماجرى: وذلك من خلال تقوية الضمانة الدستورية بالتنصيص الصريح والدقيق على سُمو القانون الدولي لحقوق الإنسان على القانون الوطني في حالة تنازُعِهما. وكذا رفع الالتباس والتّراتُبية في صيغة ترسيم الأمازيغية كما جاءت في الفصل الخامس من الدستور الجديد، وبما أن القانون التنظيمي لتفعيل رسمية الأمازيغية جزء من الدستور، فهذا القانون يجب كذلك أن يكون ضمانة قوية للتعدد اللغوي والتنوع الثقافي بالمغرب، من خلال إشراك الحركة الأمازيغية الديموقراطية المستقلة في صياغته، وكذا أن يسعى هذا القانون إلى القطع مع كافة أوجُه الأُحادية والإقصاء في التشريع الوطني والممارسة المؤسساتية.

أعتقد أن كل تدبير للشأن العام بالمغرب لا يستحضر التعدد اللغوي والتنوع الثقافي لا يمكن بأي وجه أن يؤدي بنا إلى إنصاف الأمازيغية لغة وهوية وثقافة، في عالم أبرَزُ سِماته الدعوة للتدبير الإيجابي والديموقراطي للتعدد اللغوي والتنوع الثقافي.

الهمزاوي التجاني

عضو المكتب التنفيذي للشبكة الأمازيغية من اجل المواطَـنة


اترك تعليقا