تأملات في مستقبل الجهوية المتقدمة بالمغرب
تــاريـخ النــشر : 2015/03/31 | مصنفة في وجهة نظر | لا تعليقات

omar

د. عمار شقواري، باحث في العلوم السياسية

في خضم النقاش الذي تعرفه الساحة السياسية بالمغرب حول مسألة الجهوية جاء مشروع الإطار القانوني للجهوية المتقدمة ليدشن مرحلة جديدة من تاريخ المغرب اريد لها ان تكون جهوية بامتياز، قوامها الديموقراطية التشاركية كبديل عن الديمقراطية التمثيلة التي هيمنت على تاريخ اللامركزية بالمغرب. الا ان المتأمل لمضامين هذا المشروع سيقف عند تردد الدولة في المضي قدما لإنجاح هذه التجربة والوصول بها الى اقصى حدودها. صحيح ان مشروع قانون الجهة و الذي تم الاعتماد فيه على أحكام الدستور، وخاصة المبادئ المؤسسة (ومنها: التدبير الحر، التضامن والتعاون، الالتزام بقواعد الحكامة)، وعلى التوجيهات الواردة في الخطب الملكية حول الجهوية المتقدمة و كذا خلاصات تقرير اللجنة الاستشارية للجهوية، سيساهم في بلورة وعي جديد في ممارسة الشأن الجهوي، الا انه، في اعتقادنا، عجز عن وضع تصور مندمج لنظام جهوي ديمقراطي، وتطوير آليات لتوسيع المشاركة في الشأن المحلي، وتحقيق النجاعة في التدبير المحلي.

فالفصل 146 من الدستور يحيل على قانون تنظيمي لتحديد مجموعة من القواعد والإجراءات التي ستمكن من إرساء هياكل منظومة متكاملة ولامركزية لتدبير شؤون الجهة، وذلك بانتخاب أعضاء مجالس الجهات بالاقتراع العام المباشر وتمكين الجهة من اختصاصات ذاتية واختصاصات مشتركة مع الدولة واختصاصات تنقلها لها هذه الأخيرة، وإسناد مسؤولية الآمر بصرف ميزانية الجهة لرئيسها، اضافة الى أن الجهات ستمارس اختصاصاتها في إطار من التدبير الحر في احترام لقواعد الحكامة والقوانين والأنظمة الجاري بها العمل.

التدبير الحر كما نص عليه الفصل 136 من الدستور  يحيل الى ممارسة الجماعات الترابية اختصاصاتها بما هو موكول لها في النصوص القانونية، والدولة لها حق المراقبة البعدية، أي ترك نوع من الحرية للمدبر المحلي في ممارسة اختصاصاته في مقابل مسائلته عن النتائج التي حققها، وله حرية التصرف في الموارد المتاحة له في إطار احترام القانون.

 

جهوية موسعة ام متقدمة؟

شهدت الساحة السياسية منذ إقرار الدستور الجديد للمملكة والتنصيص على الجهوية في بنوده خلطا كبيرا بين الجهوية "المتقدمة" و"الموسعة"، لدرجة أن بعض الفاعلين قالوا إن الدولة تراجعت عن شعار الجهوية الموسعة لصالح المتقدمة، والحال أن الخطب الملكية والدستور لم يشيرا مطلقا للجهوية الموسعة، بالنظر لوجود بون شاسع جدا في الدلالة اللغوية والسياسية لمفهوم الجهوية الموسعة والجهوية المتقدمة. ذلك أن الجهوية الموسعة تقوم على أساس الجهوية السياسية في إطار اللامركزية السياسية، الأمر الذي يقتضي أن تتوفر الجهات في إطار الجهوية الموسعة على برلمان جهوي حقيقي، بالإضافة إلى حكومة جهوية. بحيث يقتصر دور ممثل السلطة المركزية على ضمان التنسيق بين المركز والجهة، وهذا النموذج يشبه النظام الذي يقترحه المغرب لتسوية النزاع حول الصحراء ويتعلق بالمقترح المغربي للحكم الذاتي بهذه الأقاليم.

في حين أن الجهوية المتقدمة هي بمثابة نظام أكثر تقدما من الجهوية القائمة الآن، ما يعني أن المقصود بالجهوية المتقدمة هو توسيع عملية الإصلاح في اتجاه توسيع اختصاصات الجهات وإعادة تركيب البنيات الجهوية، وتخويل المنتخبين اختصاصات ذات طابع تقريري وتنفيذي، وإيجاد نظام يعزز الاستقلالية المالية والتدبيرية للجهات وإعادة النظر في علاقتها بالسلطات المركزية. و هو ما تبينه المادة 3 من مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالجهات و التي جاء فيها: الجهة جماعة ترابية خاضعة للقانون العام، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الاداري والمالي، وتشكل أحد مستويات التنظيم الترابي للمملكة، باعتباره تنظيما لامركزيا يقوم على الجهوية المتقدمة. على ان الدولة ستعمل على نقل الاختصاصات الموكولة لها الى الجهات بشكل يراعى فيه مبدأ التدرج والتمايز بين الجهات عن طريق التعاقد.

مستجدات مشروع القانون التنظيمي للجهات:

من بين اهم ما جاء به مشروع القانون المنظم للجهة والذي يتكون من 256 مادة، نذكر:

– انتخاب اعضاء مجلس الجهة بالاقتراع العام المباشر

– انتخاب الرئيس في 3 دورات على الاكثر (عوض عدد دورات مفتوحة)

– الرئيس هو الامر بالصرف للجهة – إضافة المهام الثقافية والبيئية للجهات – رئاسة المعارضة لإحدى اللجان الدائمة بمجلس الجهة والتي حددتها المادة 28 في 3 لجان دائمة على الاقل متمثلة في:

1. لجنة الميزانية والشؤون المالية والبرمجة 2

. لجنة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية

3. لجنة اعداد التراب الجهوي

– تشجيع تمثيلة المرأة في الاجهزة (إقرار ثلث نواب الرئيس (ة) من النساء + ضرورة ترأس امرأة للجنة دائمة على الأقل)

– تقديم العرائض من قبل المواطنات والمواطنين والجمعيات (طبقا لأحكام الباب الخامس من القسم الثالث)

– تمكين مجالس الجهة من اليات الاشتغال عبر احداث الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع

– اعتماد مبدأ التدرج والتمايز عند نقل الاختصاصات من الدولة الى الجهة عن طريق التعاقد

– تمكين الجهات من موارد مالية ملائمة، اعمالا للفصل 141 من الدستور، تتمثل بالخصوص في نسبة 5 بالمائة من حصيلة الضريبة على الشركات و5 بالمائة من حصيلة الضريبة على الدخل و20 بالمائة من حصيلة الرسم على عقود التأمين ، تضاف إليها اعتمادات مالية من الميزانة العامة للدولة في افق بلوغ سقف 10 ملايير درهم سنة 2021.

– للقضاء وحده اختصاص عزل رؤساء مجالس الجهات وأعضاء المجالس وكذا إلغاء مقررات مجالس الجهات وحل المجلس.

– احداث صندوق الدعم الإجتماعي و صندوق التضامن بين الجهات…

الاكراهات و التراجعات:

من أهم الإكراهات التي تواجه قانون الجهوية المتقدمة هو غياب تصور لدى أغلب الاحزاب السياسية لكيفية تدبير الصلاحيات التي ستوكل للجهات، حيث انها لا تملك رؤية واضحة فيما يخص السياسات الممكن تفعيلها للنهوض بقطاعات من قبيل التعليم والصحة والشغل على المستوى الجهوي، مما يطرح عدة اسئلة حول مستقبل ورش الجهوية بالمغرب.

إن المشروع ينظر إلى الجهة باعتبارها جماعة ترابية عادية، ضاربا بعرض الحائط جميع التصورات والدراسات التي أنجزت بهذا الصدد، وكذا الخلاصات التي تقدمت بها اللجنة الاستشارية للجهوية. الامر الذي يدعونا الى التساؤل حول جدوى تسمية الجهوية بالمتقدمة، اللهم اذا كان الغرض من ذلك تمييزها عن النظام الجهوي المعمول به حاليا. ذلك ان المشروع قد أغرق مجلس الجهة والرئيس بمقتضيات ترجع إلى ممثل السلطة (الوالي)، اذ انه يكرس المزيد من التحكم بإبقائه على صلاحيات أقوى للولاة على حساب رؤساء الجهات والمنتخبين بصفة عامة، ما يعني أن الدولة المركزية ستستمر في التحكم في المنتخبين ما لم تعمل الأحزاب والقوى السياسية الفاعلة على مراجعة مضامين هذا المشروع على نحو يعزز مبدأ التدبير الحر الذي نص عليه دستور 2011 .

كما أن مشروع القانون التنظيمي للجهة لا يمكن اعتماده إلا في إطار إصلاح شامل للقوانين الانتخابية، مع ضرورة إحداث لجنة وطنية مستقلة للإشراف على الاستحقاقات الانتخابية، وإلغاء اللوائح الانتخابية الحالية، والاعتماد على البطاقة الوطنية في الاقتراع، والتنصيص على إجبارية التصويت، من أجل ضمان مشاركة مكثفة في العمليات الانتخابية.

الا ان اكثر النقاط التي اثارت انتقادات واسعة لدى الفاعلين السياسيين الجهويين هي ان الدولة منحت للوالي اختصاصات مهمة وواسعة منها اختصاصات لم تكن من قبل، بحيث سيمارس الولاة بمقتضى النص الجديد المراقبة الإدارية (الباب الثالث) ومساعدة رؤساء المجالس الجهوية على تنفيذ المخططات والبرامج التنموية وتنسيق أنشطة المصالح الخارجية، ما يعني أن الوالي أسندت له مهام التدبير وسيمارس الحلول، وتم إعطاؤه صلاحية الاعتراض على بعض القضايا، لكن المشكل الذي أزعج المنتخبين أكثر هو أنه إذا ما ثبت إدراج تلك النقط التي اعترض عليها الوالي من قبل رؤساء المجالس في جدول أعمالهم فإن رئيس الجهة سيجد نفسه معرضا لإجراءات تأديبية (المادة 44)، هذا المقتضى اعتبر بعيدا عن التأويل الديمقراطي للدستور، ويجعل الديمقراطية في قانون الجهوية المتقدمة على المحك.

كما ان مشروع قانون الجهوية يحيل الى عدة قوانين ونصوص تنظيمية من قبيل: تحدد بقانون كيفيات التعاقد بين الدولة والجهة لممارسة الاختصاصات المنقولة (المادة95)، تحدد بنص تنظيمي مسطرة إعداد وتحيين التصميم الجهوي لاعداد التراب(المادة 113)، تخضع عمليات الاقتراضات التي تقوم بها الجهة لقواعد تحدد بنص تنظيمي يتخذ باقتراح من السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية والسلطة الحكومية المكلفة بالمالية (المادة182)، يحدد بنص تنظيمي نظام المراقبة المالية الخاص بالمؤسسات العمومية والشركات التي تحدثها الجهة (المادة220)،…. مما يجعله غارقا في العموميات و فارغا من الناحية الاجرائية ما لم يتم استصدار هذه النصوص التنظيمية.

التقطيع الترابي و الجهوية

يعد التقطيع الترابي من المكونات الرئيسية للنظام الجهوي بالمغرب، و الذي انطلقت التحضيرات له قبل دستور 2011، خاصة مع تشكيل اللجنة الملكية الاستشارية للجهوية في 2010، على اعتبار ان الجهوية المتقدمة تشترط اطارا ترابيا ملائما يسمح ببناء مشروع تنموي مندمج و متضامن.

وبالرغم من ان التقطيع الترابي الجديد، والذي قسم المغرب الى 12 جهة، اعتمد على المقاربة التنموية عوض المقاربة الامنية، وعلى المقياس الجمعي (مراعات الابعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) عوض المقياس الكمي، وعلى الفعالية والنجاعة كمفاتيح اساسية للتقسيم، الا انه اثار زوبعة من الانتقادات خاصة فيما يتعلق بفصل بعض الجهات عن بعضها.

والواقع ان مسألة التقطيع الترابي قلما تحظى بالإجماع بالنظر الى تعدد واختلاف المصالح، فهناك انتقادات حول حدود قدرته على تحقيق التوازن والانسجام في أبعاده المجالية والاقتصادية والديمغرافية، بل هناك أيضا بعض الانتقادات حول خلفيات التقطيع الانتخابية، كما هو الشأن بالنسبة لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، التي اعتبرها البعض انتصارا لحزب الاصالة والمعاصرة على خصمه حزب العدالة والتنمية الذي طالب بمعية احزاب اخرى ابقاء الحسيمة ضمن الجهة الشرقية او خلق جهة جديدة يطلق عليها اسم جهة الريف الكبير، الامر الذي بات يفرض ضرورة اخراج عملية التقطيع الترابي من مجال التنظيم الى مجال القانون، بمعنى ان يختص البرلمان وحده بالتقرير في كل ما يتعلق بالتقطيع الترابي.

فاذا كان الفصل 71 من الدستور أناط بالبرلمان مهمة التشريع في نظام الجماعات الترابية ومبادئ تحديد دوائرها الانتخابية، وكذا النظام الانتخابي للجماعات الترابية ومبادئ تقطيع الدوائر الانتخابية، وبالفعل تمت مناقشة وإقرار قانون 131.12 المتعلق بمبادئ تحديد الدوائر الترابية للجماعات الترابية، الا ان المشكلة ليست في المعايير والمقاييس التي تعتمد في التقطيع، وإنما في المسافة البعيدة التي يمكن أن تكون بين هذه المعايير المصادق عليها وبين واقع التقطيع كما تقدمه وزارة الداخلية.

أي أنه ما دام التقطيع يصدر بمقتضى قرار وزاري من الداخلية، وليس بمقتضى قانون يناقش داخل المؤسسة التشريعية، فإن شروط تحقيق التقطيع الانتخابي العادل والمنصف تبقى بعيدة.

نحو انجاح الجهوية المتقدمة

– ضرورة رفع العتبة للوصول الى عضو في المجلس الجهوي الى اكثر من 6% من عدد الاصوات المعبر عنها لكل لائحة وعدم ادخالها في احتساب القاسم الانتخابي، تفاديا لتعدد تشكيلة أعضاء المجلس وما قد ينتج عن ذلك من شراء للذمم بالنسبة للوائح التي حصلت على نسب اصوات قليلة والتي بفعل تدني العتبة قد تحصل على عضو في المجلس، الامر الذي من شأنه ان يفتح الباب للدخول في مساومات من اجل تحقيق بعض المكاسب، ما من شأنه ان يضر بالعملية الديموقراطية في كليتها.

– الانكباب على توحيد الخرائط القطاعية الاخرى حتى تتلاءم مع التقطيع الترابي وخاصة الخريطة القضائية والتعليمية.

– العمل على إعداد التراب الوطني وفق مقاربة جديدة تهدف الى توفير شروط الأداء المتميز للنسيج الاقتصادي الوطني والجهوي، بما يسمح بضبط التوازن داخل المجتمع وبين مختلف مكونات التراب الوطني، وذلك من خلال تسخير جميع الوسائل للنهوض بالمناطق المعوزة وادماجها في مسار التنمية تحقيقا للعدالة الاجتماعية والمجالية، وجعل التراب الوطني قابلا لاستقطاب كل اشكال الاستثمار في ظل التنافسية القوية التي باتت تميز النظام الاقتصادي العالمي.

– في غياب اشتراط مستوى الكفاءة لعضوية المجلس الجهوي بات من اللازم التنصيص على ضرورة التوفر على حدود معينة من التكوين العلمي للترشح لعضوية مجلس الجهة و الترشح لرئاسته ضمانا للكفاءة و الفعالية.

– إعطاء رئيس الجهة الحق في اللجوء إلى القضاء في حال امتناع والي الجهة عن القيام بما يلزم لتنفيذ مقررات المجلس الجهوي أو في التنسيق بين المصالح الخارجية بالجهة، وإعطاءه حق الطعن في حال التطاول على اختصاصات مجلس الجهة.

– إعادة صياغة بعض المصطلحات الفضفاضة من قبيل "لا سيما" الواردة في المادة 80 ما من شأنه التأثير على دقة اختصاصات الجهة. – ضرورة التنصيص على جدولة زمنية واضحة للنقل التدريجي للاختصاصات من الدولة الى الجهات.

 

اترك تعليقا