التصوير بين المسؤولية والأخلاق
تــاريـخ النــشر : 2014/12/18 | مصنفة في وجهة نظر | لا تعليقات

بقلم: لحسن أمقران

مع انتشار أجهزة الهاتف المحمول ذي آلة التصوير،أصبح الإنسان مهووسا بتصيد المواقف والتقاط المشاهد لتحقيق "سبق صحفي" مزيف، غير آبه بنداء الإستغاثة أحيانا، ومتجاهلا خطورة المواقف أحيانا أخرى، حيث لا يراعي لا معاناة الضحية ولا شعور من سيشاهدون إنجازه، فيمسك الهاتف ليصور بدل أن يمد يده لمساعدة من هو في حالة حرجة ضدا على المسؤولية الأخلاقية والواجب الإنساني.

لقد اصبح من شبه الطبيعي أن ترى أناسا أمام مشاهد تقشعر لها الأبدان وتدمع لها الأعين يستلّون هواتفهم لتوثيق الحدث، وأضحت الظاهرة متفشية بشكل مرضي يستدعي منا وقفة للفت الإنتباه إلى مخاطر شيوع مثل هذه التصرفات وخصوصا إلى التجاوز السلبي لها عوض التفكير في متابعة ومعاقبة من يقدمون على تصوير مثل هذه المشاهد عوض مد يد المساعدة بشكل مباشر عبر التدخل الآني، أو بشكل غير مباشر عبر التبليغ وإخبار الجهات المعنية.

المؤسف أننا نواجه هذه التصرفات الإستفزازية بالقبول والتطبيع، بشكل أصبح معه الإنسان، ذلك الكائن الذي حباه الله بالعقل والعاطفة، كائنا آليا ماتت فيه كل مشاعر الفطرة الإنسانية السليمة وآلة ميكانيكية ينتشي بتحقيق "الإنجازات" مهما تقاطعت مع الضمير والأخلاق.

إن التصوير يستدعي منا إعادة طرح مشروعيته، والنظر إليه من زاوية أخلاقية أولا، ثم أخرى قانونية. فالتصوير أخلاق قبل أن يكون مسؤولية، ولا يعقل أخلاقيا أن يسمح الفرد لنفسه بتصوير مشهد للإثارة المجانية ومخاطبة المشاعر فقط، في غياب هدف معقول ومحدد يراد به تصحيح وضع غير صحي وخصوصا الإخلال بالمسؤولية أو الشطط في استعمال السلطة والنفوذ.

من زاوية قانونية، يتعين التفكير في تبسيط مساطر الترخيص بالتصوير، شريطة ربط المسؤولية بالمحاسبة وتحفيز من يفضحون السلوكات غير المسؤولة لمن يتحملون المسؤولية، فللتصوير ما يبرره إذا كان سيساعد على الإيقاع بخارج عن القانون، ويتعين اعتماد ذلك دليلا ماديا يُدين المتهم أمام القضاء، وعلى السلطة القضائية التحقق من صحة المشاهد بدل التحقيق مع مصوِّرها.

باختصار، لقد أصبح التصوير يستحق نقاشا مجتمعيا موسعا، وتحديا حقيقيا أمام الدولة، حيث يتعين عليها أخذ الأمر بالجدية والحزم اللازمين، إذ عليها جعل التصوير في خدمة القانون، وجعل القانون في خدمة التصوير، وبالمقابل تقنينه لتوظيفه فيما يخدم الصالح العام.

اترك تعليقا