التغيّرات البنيوية وصراع المرجعيات
تــاريـخ النــشر : 2014/04/04 | مصنفة في تمازيغت, وجهة نظر | لا تعليقات

يشهد عالم اليوم صراعاً قوياً وحامي الوطيس بين مختلف المرجعيات الفكرية والقيمية، مما أثّر بشكل مباشر على حياة الأفراد والمجموعات. فقد أفرزت التحولات العميقة التي تجتازها مجتمعاتنا جُملةً من التحدّيات والاكراهات شملت مختلفَ مناحي الحياة الاجتماعية والثقافية والقيمية والسياسية. ويبدو من الصعوبة بمكان الإحاطة بمجمل عناصر هذه الظاهرة المجتمعية، التي هي علاقة التغيّرات المجتمعية بمنظومة القيم، توخياً للفهم والتفسير، غير أننا سنشير إلى بعض عناصر الجواب، في نسبيته، انطلاقاً من ثلاث مداخل أساسية. وهي؛ المدخل الاجتماعي، المدخل الثقافي والقيمي ثم المدخل السياسي بمفهومه العام.

ففي المجال الاجتماعي؛ ساهم التحول العميق الذي أصاب بنية الأسرة المغربية في بروز العديد من المؤشرات الجديدة التي لم تكن من ذي قبل، بحيث انتقلت من نمط الأسرة الممتدة إلى نمط الأسرة النووية القليلة الأفراد. وقد صاحب هذا الانتقال مجموعة من التغيّرات التي شملت العلاقات البينية القائمة بين كافة عناصر تلك البنية، وبذلك أصبحت العلاقات الأسرية التقليدية آخذة في التفكك والزوال مثل التضامن الآلي بين أفراد الأسرة الواحدة، والعيش تحت سقف واحد لكل أفراد الأسرة الممتدة، فضلاً عن انمحاء فكرة الاستثمار المستقبلي في الأبناء من طرف الآباء. هذا بالإضافة إلى صعود طابع التمدن على المجتمع إذ يفوق عدد سكان المدن والحواضر، لأول مرة في تاريخ المغرب، عدد سكان القرى والأرياف. إنها في الحقيقة قيمٌ لم تعد قادرة، بحكم هيمنة قيم جديدة، على مسايرة تلك التحولات العميقة. ثم إن طبيعة الحياة المعاصرة ومستلزماتها واكراهاتها فرضت، بقوة الواقع، الانخراط، من غير اقتناع في أحيان كثيرة، في مسلسل هذا الانجراف. (طبيعة السكن في الحواضر، الحاجيات المتزايدة للإنسان المعاصر بوصفه كائناً استهلاكياً بامتياز، الجنوح نحو قيم الفردانية، تغيّر تمثلات الفرد تجاه مجموعة من القضايا…إلخ).

أما في المجال الثقافي والقيمي؛ فقد وضعت التحولات الجذرية، التي مسّت هذه الجوانب، بعض الأفراد أمام "تناقضات" جمّة، تمثّلت أساساً في محاولة البعض منهم المزاوجة بين القيم التقليدية، وما ينتج عنها من مواقف وتمثلات تجاه الذات والعالم والآخرين، وبين القيم الحداثية، وما يترتب عنها من ضرورة إجراء تعديلات مستمرة على سلوكياته ومواقفه. فمن جهة يريد الإنسان الاستفادة من إفرازات منظومة التحول في مختلف المجالات، في الوقت الذي يتشبّث بالقيم الثقافية المحافظة، التي أثبت الواقع الملموس محدوديتها، بل كان بعضها، ولا يزال، حاجزاً أمام بلوغ مصاف التقدم والرقيّ والعبور نحو ضفة الحداثة، مما يخلق لديه نوعاً من السكيزوفرينيا في عمق شخصيته. ومن تم يؤدي به الأمر إلى التمسك بشعار "ديرهوم ب 16"، أي مثلاً يُعطي لنفسه الحق في ربط علاقات جنسية قبل الزواج سرعان ما يهرول نحو مباشرة إجراءات التكفير عن "ذنبه" والانتقام مما "اقترفت يداه" ونعت أمثال من كانت معه في الفراش بأقبح الأوصاف والنعوت. كما قد يدعي لنفسه امتلاك ثقافة المواطنة والدفاع عن حقوق الإنسان في وقت هو نفسه أول من يرضخ لممارسات غير نزيهة في مختلف الفضاءات التي يرتادها من أجل قضاء مآربه الخاصة، مثل أن يقدّم رشاوى أو أن لا يحترم أولوية من سبقوه أمام المصالح الإدارية المختلفة …إلخ.

وفي المجال السياسي؛ فقد وجد الشباب أنفسهم أمام سياق ملؤه التغيّرات الجذرية بما في ذلك القيم التي تحكم المجال السياسي مثل نظرتهم تجاه الحكام وذوي السلطة ونظرتهم لما يجب أن تكون عليه الأمور في بلدهم، غير أنهم، في مقابل ذلك، أصبحوا في مواجهة مفتوحة بينهم وبين "الحرس القديم" الذي تربى في كنف الخوف والخضوع الكامل لإرادة السلطوية. وهو ما يعكس، في الحقيقة، صراعاً خفياً بين مرجعيتين متناقضتين من القيم والمعايير للحكم على الأشياء والوقائع والوضعيات. إذ أن جزءاً منه يعود إلى ما قد يصطلح عليه بصراع الأجيال واختلاف بنية التفكير مما أثر على سقف التغيير وسرعته وساهم في خلق الشلل فيه.

ومع ذلك؛ لابد من الإقرار بحصول مجموعة من عناصر الأمل في هذا المستوى مثل انقراض فكرة "أنا الدولة والدولة أنا" وكذلك الأمر بالنسبة "للأبوية السياسية" التي كانت تسيطر على المشهد السياسي والحزبي ببلادنا. ولعل المؤشر الأساسي في ذلك هو صعود خطاب الرفض وإشهار كلمة "لا" في وجه كل من يفترض أنه يملك سلطة ما وذلك من أجل الوصول إلى التوازن بين السلطة والسلطة المضادة الذي يعد بحق عماد كل دولة ديموقراطية.

ويرجع الاختلاف في المرجعيات حسب العديد من الباحثين إلى طبيعة الدولة ذاتها، إذ أن طبيعتها التقليدانية يتم تجسيدها في الأنظمة التربوية من خلال الازدواجية بين تدريس العلوم الحديثة بجانب العلوم التقليدية (سبق لأبي حامد الغزالي أن صنّف العلوم إلى صنفين: العلوم الدينية والعلوم الدنيوية ودعا إلى تقوية الأولى على حساب الثانية)، والتي تستهدف إعادة إنتاج المحافظة الاجتماعية والثقافية كمدخل رئيسي للمحافظة السياسية. وهو الأمر الذي ينتج عنه انقسام النخب إلى شطرين، أحدهم يدفع باتجاه الماضي والدعوة إلى العودة إلى الأصول، وهنا يقصدون أصول الدين بالدرجة الأولى، في الوقت الذي يُنادي الفريق الثاني بتبنّي الحداثة بكل عناصرها وأبعادها ومظاهرها. والنتيجة هي الاحتكام إلى التوفيق بين التيارين وإنتاج نظام هجين لا ينضبط لمعايير محددة ومنسجمة، ويساهم بالتالي في تركيز مكونات السكيزوفرينيا في بنية الشخصية المغربية.

كما يفسر باحثين آخرين هذا الأمر بالاعتماد على البنيات الاقتصادية للمجتمع، إذ يرون أن بنية الاقتصاد المغربي هي بنية مزدوجة؛ فهو بلد فلاحي و جزء منه صناعي، ويقولون أن البلدان الزراعية تنسجم معها الإيديولوجية التقليدية والبنية القيمية المحافظة، في حين تفرز البنية الاقتصادية الصناعية والخدماتية بنية فكرية ومرجعية حداثية رغم أن هذه الفكرة لم تصمد كثيراً أمام ما تتوفر عليه بعض بلدان الخليج اليوم من إمكانيات مادية واقتصادية ولوجيستيكية مع ما يرافق ذلك من شلل فكري واضح وتغيير سياسي يكاد يستحيل خارج ضوابط الشيوخ وفتاواهم.

أما التفسير الثالث لهذا التعدد في المرجعيات التي تخترق كل المسلكيات والحقول الاجتماعية بالمغرب يعود إلى عدم اكتمال توطيد الاستعمار لإيديولوجيته العقلانية في بنية المجتمع مثلما غرس البنيات الإدارية والبيروقراطية والتقنية، بل إنه حافظ على النسق القيمي التقليدي الموجود قبل استعماره للمغرب، وهو ما يعني أن الأمر فيه قصدية وخطة مدروسة بإتقان للإبقاء على بلد نصفه يوجد في قلب التاريخ وتموجاته ونصفه الآخر يظل خارج الزمن وصعب التغيير.

ومهما يكن من أمر؛ فإن كل هذه التفاسير تلامس جانب من جوانب إشكالية تعدد المرجعيات التي تخترق النسيج الاجتماعي والفكري والسياسي للمغرب الراهن، والتي لا تبرز تمظهراتها بجلاء إلا في أوقات الأزمات والقطائع السياسية التي تتطلب حسماً في اتجاه معين، مثل انخراط المغرب في مسار تعزيز التعددية الثقافية واللغوية انسجاماً مع التزاماته أمام المنتظم الدولي في ما يتعلق بالحقوق اللغوية والثقافية والهوياتية وخاصة ورش الأمازيغية والتي بقي عدداً لا يستهان به من الناس خارج ما يُعتمل من قرارات وتوجهات في هذا الإطار، بل أكثر من ذلك لازال البعض محتفظاً بالنظرة الاختزالية والتقليدية لكل ما هو أمازيغي ولا يتصوره مؤسساتياً ودولتياً مثلما يستحضره مجتمعياً. ونفس الشيء وقع في خطة إدماج المرأة في التنمية سنة 2002، والتي تطلبت تدخل المؤسسة الملكية، عن طريق وظيفة التحكيم الأزلية، من أجل إنتاج نص المدونة الهجين الذي يجعل الشيء يحمل نقيضه في بنيته، يرضى به الجميع في آخر المطاف، وبات ذلك بمثابة أعز ما يطلب في السياق المغربي.

فالرهان اليوم يكمن في الانخراط في مسار تعزيز السلوك المدني وثقافة المواطنة عبر إعادة النظر في طريقة سير مجموعة من مؤسسات التنشئة الاجتماعية والثقافية والسياسية بدءاً بالمؤسسات التربوية الكبرى (الأسرة المعاصرة، المدرسة الحديثة، الإعلام الحر، المؤسسات المنفتحة والديموقراطية…إلخ)، وذلك من أجل خدمة الهدف الأسمى المتمثل في تكوين مواطن بمقاسات اللحظة التاريخية الراهنة.

علي موريف

اترك تعليقا